الشيخ محمد النهاوندي
50
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
القرآن أجمعه من العسب واللخاف « 1 » وصدور الرجال ، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاريّ لم أجدها مع غيره لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ « 2 » حتّى خاتمة براءة ، فكانت الصحف عند أبي بكر حتّى توفّاه اللّه ، ثمّ عند عمر حياته ، ثمّ عند حفصة بنت عمر « 3 » . وعن اللّيث بن سعد ، قال : أول من جمع القرآن أبو بكر ، وكتبه زيد ، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت ، فكان لا يكتب آية إلّا بشهادة عدلين ، وإنّ آخر سورة براءة لم توجد إلّا مع خزيمة بن ثابت ، فقال : اكتبوها ، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله جعل شهادته بشهادة رجلين ، فكتب . وإنّ عمر أتى بآية الرّجم ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما بما قضيا من اللّذّة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم ) « 4 » فلم يكتبها لأنّه كان وحده « 5 » . وعن ابن أبي داود ، قال : قدم عمر وقال : من [ كان ] تلقّى شيئا من القرآن من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فليأت به . وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب ، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتّى يشهد شيهدان « 6 » . وعن [ ابن ] أبي داود : أنّ عمر سأل عن آية من كتاب اللّه ، فقيل : كانت مع فلان ، قتل يوم اليمامة . فقال : إنّا للّه ، وأمر بجمع القرآن ، فكان أوّل من جمعه « 7 » . أقول : لعمري ، إنّ في هذه الأخبار تضعيف الثقل الأكبر وتوهين نبوّة خاتم النبيّين صلّى اللّه عليه وآله وتخريب أساس الدّين ، وتلقين الملحدين الحجّة في إنكار تواتر الكتاب المبين ، وليس ببعيد من
--> ( 1 ) . العسب : جمع العسيب ، وهي جريدة النخل المستقيمة ، يكشط خوصها ، واللخاف : جمع اللّخفة : وهي حجر أبيض عريض رقيق . ( 2 ) . التوبة : 9 / 128 . ( 3 ) . صحيح البخاري 6 : 314 / 8 ، الإتقان في علوم القرآن 1 : 203 . ( 4 ) . من الثابت أن القرآن الكريم نقل إلينا بالتواتر ، وقد نقلته الجماعة عن الجماعة وذلك مقطوع به عند جميع أهل الإسلام ، وآية الرجم المزعومة منقولة بالآحاد ، بدليل قوله في آخر الحديث ( فلم يكتبها لانّه كان وحده ) والقرآن لا يثبت إلّا بالتواتر ، وعليه فإن أمثال هذه الروايات لا يؤخذ بها في إثبات القرآن الكريم ، فإن أمكن حملها على أحد وجوه الحمل وإلّا فليضرب بها الجدار . وقد حمل ابن حزم في ( المحلّى ) آية الرجم على نسخ التلاوة ، أي مما نسخ لفظه وبقي حكمه . هو حمل باطل ، لأنها لو كانت منسوخة التلاوة لما جاء عمر ليكتبها في المصحف . وفي برهان الزركشي 2 : 43 أن ابن ظفر أنكر في ( الينبوع ) عدّها مما نسخ تلاوة وقال : لأنّ خبر الواحد لا يثبت القرآن . وحملها أبو جعفر النحاس على السنة حيث قال : ليس حكمها حكم القرآن الذي نقله الجماعة عن الجماعة ، لكنها سنة ثابتة . راجع : سلامة القرآن من التحريف : 64 . ( 5 ) . الإتقان في علوم القرآن 1 : 206 . ( 6 ) . الإتقان في علوم القرآن 1 : 205 . ( 7 ) . الإتقان في علوم القرآن 1 : 204 .